ابن العربي

906

أحكام القرآن

قلنا : الطعن في الدين نكث للعهد ؛ بل قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : إن عملوا ما يخالف العهد انتقض عهدهم . فقد روى أنّ عمر رفع إليه أن ذمّيا نخس دابة عليها امرأة مسلمة ، فرمحت ، فأسقطتها ، فانكشف بعض عورتها ، فأمر بصلبه في الموضع . وقد قال علماؤنا : إذا حارب الذمىّ نقض عهده . وكان [ ماله وولده ] « 1 » فيئا قال محمد ابن مسلمة : ولا يؤخذ ولده ، لأنه نقض وحده . وقال : أما ماله فيؤخذ . وهذا تعارض لا يشبه منصب محمد ؛ لأن عهده هو الذي حمى ولده وماله ، فإذا ذهب عنه ذهب عن ولده وماله . وقال أشهب : إذا نقض الذمىّ العهد فهو على عهده ، ولا يعود الحرّ في الرقّ أبدا . وهذا من العجب ، وكأنه رأى العهد معنى محسوسا ، وإنما العهد حكم اقتضاء النظر ، والتزمه المسلمون ، فإذا نقضه انتقض كسائر العقود « 2 » من البيع والنكاح ، فإنها تعقد ؛ فترتّب عليها الأحكام ، فإذا نقضت ونسخت ذهبت تلك الأحكام . الآية الثامنة - قوله تعالى « 3 » : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ، فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - دلّت الآية على أن الشهادة لعمّار المساجد بالإيمان والصلاة صحيحة ؛ لأن اللّه ربطها بها ، وأخبر عنها بملازمتها والنفس تطمئنّ بها وتسكن إليها ، وهذا في ظاهر الصلاح ليس في مقاطع الشهادات ، فلها وجوه ، وللعارفين بها أحوال ، وإنما يؤخذ كلّ أحد بمقدار حاله وعلى مقتضى صفته ؛ فمنهم الذكي الفطن المحصّل لما يعلم اعتقادا وإخبارا ، ومنهم المغفّل ؛ فكلّ أحد ينزل على منزلته ويقدّر على صفته . المسألة الثانية - روى بعضهم أنّ الآية إنما قصد بها قريش ؛ لأنهم كانوا يفخرون على سائر الناس بأنهم سكان مكة « 4 » وعمّار المسجد الحرام ؛ ويرون بذلك فضلا لهم على غيرهم ،

--> ( 1 ) من القرطبي . ( 2 ) في ل : العهود . ( 3 ) الآية الثامنة عشرة . ( 4 ) في ل : الحرم .